الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

25

نفحات القرآن

اللاحقة لتلك الآية السابقة من سورة الحج من آيات البحث قال تعالى : « وَانَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيبَ فِيهَا وَانَّ اللَّه يَبْعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ » . لقد ورد هذا التعبير في القرآن بشكل واسع جدّاً فأحد أسماء القيامة هو « يوم البعث » ( الروم / 56 ) ، أو « يوم يُبعثون » وجاء هذا التعبير في ست آيات من القرآن « 1 » . وهذا التعبير تكرر ذكره كثيراً حتى في أسئلة المشركين التي كانوا يسألونها من النبيالأكرم مثل : « ءَاذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً ءَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ » « 2 » . ( الصافات / 16 ) « البعث » : له مفهوم واسع في اللغة ، فقد حمله البعض على أنّه بمعنى « الارسال » والبعض الآخر على أنّه بمعنى « الايصال » ، وفّسره آخرون ، ب « النشر » ولكن يظهر من موارد استعماله المختلفة أنّ له مفهوماً واحداً ، إلّاأنّه يتغيّر تبعاً لمورد استعماله بما يناسبه ، كارسال النبي صلى الله عليه وآله لابلاغ الرسالة ، وبعث الجيش للجهاد ، أو الإنسان النائم لأداء وظيفته ، أو نشر الأموات للحساب ، أو ارسال الحيوان للحركة « 3 » . والسبب في اطلاق هذا التعبير على القيامة للمناسبة الموجودة بين البعث وابتداء الحركة في الأموات الذين يخرجهم اللَّه من القبور ، ومن ثم يبعثهم للحساب نحو محاكم القيامة ، وبعدها نحو الجنّة أو النار ، فكلّ واحد من هذه المراحل هو مصداق « للبعث » . ويلاحظ أنّ هناك تعبير آخر في آيات القرآن يقارب في افُقِه مادة « البعث » وهو مادة « بَعْثَرة » ( على وزن مَنْقَبَة ) . ولم يأتِ هذا التعبير في القرآن إلّافي آيتين ، الموضع الأول : « وَاذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ » . ( الانفطار / 4 ) وفي الموضع الآخر هو الآية : « أَفَلَا يَعْلَمُ اذَا بُعثِرَ مَافِى القُبُورِ » . ( العاديات / 9 ) وبالرغم من أنّ أرباب اللغة فسّروا مادة « بعثرة » بالتقليب والنشر ، لكنّ الراغب في المفردات احتمل أن تكون هذه الكلمة مركبة من كلمتي « بعث » واثيرت » ، فتكون الأولى

--> ( 1 ) الأعراف ، 14 ؛ الحجر ، 16 ؛ المؤمنون ، 100 ؛ الشعراء ، 86 ؛ الصافات ، 144 ؛ ص ، 79 . ( 2 ) جاء هذا المعنى في الآيات التالية : الاسراء ، 49 و 98 ؛ المؤمنون ، 83 ؛ الواقعة ، 47 ؛ الانعام ، 29 ؛ المؤمنون ، 37 . ( 3 ) المفردات للراغب ؛ ومقاييس اللغة ؛ والتحقيق في كلمات القرآن الكريم .